الأربعاء، 25 ماي 2011

الشباب العربي "تحديث في الأدوار... وتغيير للمواقع"




قد نختلف في آرائنا حول عدة محاور ضمن الوحدات أو الجزئيات التي شملتها ثورات التغيير في مجتمعاتنا العربية منذ مطلع العام الحالي ،حيث اندلعت في عمومها من خلفيات وأسباب متقاربة إن لم نقل متطابقة . إلا أن الشيء المتفق عليه قطعا أو بالأحرى ما لا يمكن أن يختلف حوله إثنان من جمهور المتتبعين للوضع العربي اليوم وموجة التحول التي تعيشها معظم بلدانه هو موقع الشباب العربي ضمن كل تلك التفاعلات التاريخية ،مقارنة بباقي شرائح المجتمع من جهة . ومن جهة أخرى وبرؤية أضيق موقع الشباب المستقل فكريا مقارنة بغيره ضمن حيّز المجتمعات السياسية في بلدان الوطن العربي وهنا نجيب كلنا بنفس التسليم معترفين بدور الشباب في اطلاق الشرارة الأولى لهذه التحولات ،وقيادته لمسيرتها بمختلف مراحلها ،وتتويجا بنتائجها ، بلى.. لقد كان الشباب العربي ربانا لسفينة الحرية*(أو التحرر) ضمن أسطول هرِمَت بقية مراكبه وعجزت عن تحقيق مافعله جيل اليوم بتفوق وبدون منازع .

غير أننا حتما سنتبع اعترافنا بتساؤل نشعر مسبقا بضرورة التفكير جييدا للإجابة عليه، سنستفهم دون أدنى شك حول دور الشباب في المرحلة القادمة والتي نسلم أيضا بصعوبتها عن سابقتها ، نستفهم بحيرة عن ما سيلقى على كاهل الشباب العربي الثائر بالأمس في عملية البناء وتسيير المراحل اللاحقة بالغد؟ وفي ظل مخلفات سلفهم طبعا على افتراض بسلبية الوضع الذي تطلب هذه الثورات !! قد يلمس القارئ من هذه الإشكالية تشاؤما لدينا ، لكن وعلى العكس من ذلك فهو السؤال الأوْلى بأن يناقش بين شباب الثورات الناجحة في بلداننا العربية ،ولعل أقل دافع لذلك هو مواصلة النجاحات حفاظا على ثروة الثورة أو الإيمان بأننا لازلنا في مستهل المسير الذي يؤتى أكله بعد حين ، كما من جهة ثانية أحب أن يكون سببا للفت أنظار المتطفلين وكذا المحتكرين للأدوار من غير الشباب بضرورة العمل بـ"فافسحوا يفسح الله لكم..." وهي إشارة للتذكير بحتمية ترك المجال واشراك جيل الشباب في كل ما يدعوا للإشراك اليوم ألا وهو "كل شيء"

منذ حادث البوعزيزي في آواخر شهر ديسمبر من العام الفارط ،تأكدت العديد من التوقعات وكذا الفرضيات المشهورة كتلك التي تقول "بالهدوؤ الذي يسبق العاصفة" ،و"اشتداد الضلمة دليل على قروب الصبح..." وغيرها كثير ، فقد مر جيل الشباب العربي منذ أن عرفت بلدانه المختلفة مفهوم الدولة المؤسساتية ، مرّ بحالة من الاستبعاد الذي وضعه أسفل سافلين استناد الى عدة مسلمات بطل التنظير بها ،وخرافات ذهب مفعول الإيمان بها بعد أن يئسنا من تكرارها منذ منتصف القرن العشرن وبالتالي وجب الإعتراف كما قال أحد المفكرين "بأنه طوال العقود الماضية قد أخطأنا التحليل والتقدير لهذا الجيل ،حينما ساد بيننا انطباع سلبي عنه ...أنه لا مبال..عازف عن المشاركة...متشبع بقيم الاستهلاك..ومنغمس في الغرائزية والنفعية بعيدا عن الجدية والانتاجية..." بل وحتى ان كان هذا الضن غير إثم ، فإنه كان الأولى بهؤلاء أن يعملوا على تغيير الصورة بكل جهد نحو الأفضل لا أن يرسخوها في شكلها النمطي بحجة أن القلق كان مشروعا بناء على ضعف النظم التعليمية وتراجع البرامج المهيكلة لهؤلاء الشباب .

إن تراكما لمثل هذا الوضع دفع بطريقة مفاجئة وبسرعة قياسية لتغيير الصورة النمطية الظالمة لهذه الفئة متجاوزة الركود والعجز والأهم من ذلك تجاوز تقليدية أساليب التغيير العنفية التي عهدناها أو ما خلدته الإنقلابات العسكرية التي أوهمت بفردانيتها في قلب أنظمة الحكم ،بل قام الشباب العربي في الثورات البيضاء بما لم تقم به تلك الإنقلابات بعد أن أرسى مبادئه على أسس المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان ...، ولعل اللافت في هذه النقطة بين مميزات حركات الشباب أنها لم تكن مطلبية تافهة أو محصورة في تحسين الوضع المعيشي وإن بدت في بادئها كذلك ، إلا أنها صارت حقوقية متجاوزة حركات المجتمع المدني وقياداته ،فضلا على استقلالية فكرها ،أي أنها لم تخضع لسنة الإيديولوجيات المتراجعة ، وكانت ماكانت مستقلة في فكرها ،لم تسر تحت مظلة أي من التيارات أو الأقطاب المتجاذبة سياسيا أو فكريا ،لتذهب بعيدا في تأكيد مبادئ محترفة بنت عليها تحركاتها وحلت "القيـم " محل الإيديولوجيا ، ولعل أهم تساؤل يأتي على الذهن هنا هو حول مدى التزام هذه الحركات الشبابية بمبدأ الإستقلالية والقدرة على العمل بعيدا عن أوساط الأحزاب القائمة ،وهل ستمضي في مرحلة البناء والإصلاح اللاحقة خصوصا في المشهد السياسي، مستعصية على الواقع الحزبي والجمعوي المؤدلج هذا من جهة، ومدى نجاعة ذلك في ظل افتقادها للخبرة اللازمة في هذه المهمة من جهة ثانية، وهي النتيجة الحتمية التي أوصلت إليها سياسة التهميش والإستسغار ما قد يسير بحركات حملت مطمح التحول الى الإستمرار في شكلية الإحتجاجات التي تؤدي الى عدمية الموقف وتعطيل الانتاج اليومي ...

بين هذا وذاك بات من المؤكد فوق كل تأكيد أن شبابنا العربي اليوم حقق أكبر نجاحاته في التتغييربفرض نفسه كقوة فاعلة فوق كل فاعل في المجتمع كان ما كان، ما يتطلب أخذ هذه القوة فوقكل اعتبار في اعادة ترتيب الأدوار وتوزيع المهام في بناء المجتمعات ،طبعا لصالح هذه الشريحة فقد أمست خريطة الهرم والقاعدة خصبة أكثر من أي وقت مضى لزرع أعضاء فتيه في الجهة العلوية وإفساح المجال أمامها في تحقيق التغيير المنشود ، وعلى غرار الحتمية المنتجة لهذا السلوك فإن معطيات جديدة على المستوى الدولي توحي أو تؤكد بوضع قيادة العالم بأيدي الشباب ،وهو ما تثبته ظواهر عدة في مجال إدارة الشركات والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية كما داخل المخابر العلمية ومعامل الاختراع ، وبالتالي فإن فكرة الإصلاح في المرحلة القادمة ستبدأ ولا بد بوضع الشباب على المحك لا كما كانت تستغل سابقا في ترسيخ نظم الحكم البائدة ودعم أزمة الإغتراب لدى الشباب ،كما أن تحقيق هذا المسعى لابد وأن يتبعه كذلك نظام عمل حديث يسعى لمحو صورة التشاؤم واحلال مكانها اشعار بالمسؤولية تجاه نهضة الأمة مع الدعم اللازم بالخبرة والمتابعة المعقولة

حان الوقت إذا لوقف سياسات التجاهل التي طالت شباب الأمة منذ زمن بعيد أدت إلى أزمات عدة على رأسها الثقافية كنتاج لتدهور أنظمة تعليمية واجتماعية منتهية الصلاحية ،وأزمة اغتراب حقيقية كنتاج لصدام الشباب بالأنظمة البيروقراطية وأنماط السلطة غير الديموقراطية لا تقتصر على تهميشه فقط ، بل وتعمل على حصر دوره في الخضوع والإلتزام ما دفعه للشعور بالعجز وعدم القدرة على تحقيق ذاته حتى .،إلى ما لحق ذلك من نتائج لم نحمد عقباها ،كالهروب عبر القوارب ،والاستسلام لواقع مؤسف تفرضه الضروف...بحثا عن مجتمعات جديدة تفتح مجالا لتحقيق الطموحات وتلبي المطالب الحياتية

أما اليوم فنعتبر أن عهدا كذاك قد ولى، ليحل محله عهد الشباب العربي المتشبع بأساسيات التعاطي مع عصر العولمة وبات عليه بعد أن يتسلم المشعل و يعمل على صياغة جديدة لقوانين الإنتقال السلس من الشباب الى الشباب ،ويدخل ضمن هذا ترتيب وتنظيم كل الهياكل الموجهة والمكونة للشباب في الأجيال اللاحقة لهم لتكون خير خلف لخير سلف ،بات علينا معالجة أنظمتنا التربوية وسياساتنا التعليمية بما يبنيها على الاعتزاز بثوابت الأمة ومبادئ الحرية وثقافة الاشراك والديموقراطية ، بات علينا وضع ثقافة متوازنة تراعي التراث والتاريخ الوطني ،وتربي الحس القومي وتسعى لمواكبة الثقافات العالمية وتكون أكثر انفتاحا على العلم والتكنولوجيا والفلسفة المعاصرة وروح الكشف والاستكشاف ،هنا سنكون حتما أغنياء عن كل تلقين خارجي ،وسيعزف الشباب بدل العزوف عن المشاركة السياسية والمجتمعية ،سيعزف عن تبني ثقافة الغير واستنساخها في شكليات متعددة ،ولن يبحث عن الحقيقة خلف الاعلام الخارجي بعد أن يكتسب الثقة في اعلامه ،وسيضبط الشباب بالتزامهم إيقاع الحياة الجديدة بعد أن صارت معارف الأمس تفقد ملاءمة الواقع الجديد والمستجد ،وقد ثبت" أن المجتمعات التي تتعرض للتغير التقني السريع ،لا يعود الآباء فيها يملكون ما يقدمونه لأبنائهم"

عبدالله شوتري

Abdellah.choutri@yahoo.com

www.choutri.e-monsite.com

الأحد، 16 جانفي 2011

درس بالمجان في إرادة الشجعان


يالها من تونس ...وياله من شعب...ويالها من صلابة ...في وقت عم فيه اليأس ،وعزّ فيه الأمل في التغيير ،جاء فيه الأشقاء التوانسة ليقولوا لنا ،وبنبرة الأسود "لما تريد ....تريد.." فعلا، صدق التونسي ابو القاسم الشابي وخلّد كلماته الصادقة من ذهب خالص ،لشعب عِشق الحرية فتسلح بالإرادة وخرج في طلبها، مات الشابي ولم تمت كلماته...كذلك مات البوعزيزي ولم تمت فعلته ، سار الى مصيره غير مدرك بأنه شغل ماكنة التاريخ...سار ولم يدرك بأنه أخرج شعبه الحر بعده ،ليدحض خرافات ياما اعتقدنا بها ،خرج ليثبت بأن التغيير إرادة شعب وليس كما قيل "خدمة سنين" فهذا في جانب وذاك في آخر

حقا..لقد سجل التاريخ وما أدراك ما سجل... "لقد صرخت في عروقنا الدما...نموت ،نموت ويحيا الوطن" هكذا نادو ،وهكذا علوا أصواتهم وكل العالم يسمع هكذا ضحوا وأدركوا بأن للحرية ثمنا..ودفعوا هذا الثمن فرحم الله شهداء الحرية في تونس الأبطال ،لم يردفهم عن هدفهم تلاعب الساسة ولا وعودهم الكاذبة قبل حتى اعلانها ،أرادوا فقالوأ ثم فعلوا وما أدراك ما فعلوا ، ...مالم يفعله شعب قبلهم وقدموا درسا بالمجان في انتفاضة الشجعان واستشراف للمستقبل ،فكان لهم ما أرادوا وخيبوا من قال ماسادوا ،فهنيئا لكم إنجازكم يا حماة الحمى ...

"2011 عام القلائل والتحولات" هو عنوان لمقال قرأته لشخص أعزّه،كتبه بعد أيام قلائل تشرفت بلقائه والحديث إليه في بيروت ،وقبل أيام قلائل من انتفاضة شعبي تونس والجزائر،يعني بين حين وحين ،واستوحيت من كلمات الدكتور برهان غليون الذي ما قال إلا أبدع ،خاصة عند ذكره في هذا المقال ما يعرف بالقوى الاجتماعية الفاعلة بما فيها المعاِرضة للوضع القائم في البلدان العربية ،أن هناك حراك قادم في بيئات مهيأة لذلك ،وحينها لم تزل الأحتجاجات في تونس والجزائر في مستهلها ،غير أن أخذها المنحى التصاعدي كان يدفعني للتساؤل :ماذا لو فعلها الشعب حقا ؟؟ وكنت أبدو مصرّا على تصديق نفسي ،فمعطيات المرحلة في الساحة العربية رغم سيرها في نفس التيار ،إلا أن جانبا منها كان يستهوينا على حساب جوانب أخرى ،كنا نراقب ونتتبع ،ننتظر..ما ستفضي إليه إرادة شعب في جنوب السودان ،ليقول لنا الواقع وبحسّ تنبيهي ،وما إرادة شعب تونس منهم ببعيد ...ولو أن موضوعيهما مختلفين كل الأختلاف ،إلا ان توقيتهما ووتتعلقهما بعنصر إرادة الشعوب ،وتقرير المصير،يبقى المحور الأساسي في هذا الحديث

أن تمضي فيما فيما تصبو إليه من تغيير ، بإرادة صلبة تجعل العالم كله يترقبك ليس بالأمر الهيين ،لكن ماليس بالأهون هو حينما تحقق مالعالم كله يتوقع غيره أو نقيضه ،وقد رأينا وسمعنا كيف أن الجميع أعلن عن سودان الجنوب قبل حتى إعلان شعبه الذي يفترض أن يأتي كنتيجة من بين اثنتين لاستفتاء سمي بتقرير المصير ،كما رأينا وسمعنا حكما مسبقا بَطُل فيما بعد ولله الحمد ، ينذر بفشل انتفاضة شعب عبر الشارع ،ضد نظام لطالما تغنينا بأنه يحكم بقبضة من حديد وهنا المفارقات بعينها ولم أشأ أن أسميها مفارقات ،إنها معالم التاريخ ترسم بأيدي الأحرار وإراداتهم ،إنه الحق الذي يُزهق الباطل ضمن واحدة من سنن الله في أرضه

منطقي أن نتساءل في نهاية الأحداث حول غاية الحديث ، وبالذات حول ما إذا سيستوعب الدرس أم لا؟ ،لكن ضيق بعض الرؤى يودي بأصحابها الى متاهات نحن في غنى عنها بالفعل ،لا أحب أن يصف هؤلاء الدعوة الى استخلاص العبر من ثورة الشجعان في تونس بتحريض على العصيان او كما يسمى و ما أعقب الحدث من تعليقات وتساؤلات حول مصير الشعوب الشقيقة للتونسيين ...ان الأولى و الأكثر إيجابية في نظري أن نلمح لاستنباطات أهم من ذلك

· ان حدثا شريفا بطوليا كهذا ليس إلا رساله واضحة من شعب تونس الذي لا يتجزء من شعب مغربنا العربي والشعب العربي ككل الى العالم بأسره ، على أننا أهل كرامة ،أهل حرية واستحقاق لا نرض بالذل والهوان ،وهو ما يؤكد ويرسخ وسام الشرف الذي نالته الشعوب العربية على مدى ثوراتها وحركاتها التحريرية طيلة القرون المنقضية لا السنين ،نعم إن هذا الشرف متجذر في أصول هذه الشعوب ،وسيظل كذلك مادام الحق حقا ،والباطل باطل

· إن هذا الانجاز يدعونا لاستثمار قوتنا الفعلية في قضايانا الفعلية ومطالبنا الشرعية تجاه مسألة تحررنا، ففلسطيننا وعراقنا وسوداننا ولبناننا ووو...وكل أوطاننا بحاجة لدواء تفعيل الهمم ،وحان الوقت لتصرخ في عروقنا الدماء ،دماء الحرية

· أن الإرادة الصلبة للأمم المتحررة تكسر عمود الذل مهما طال انتصابه وبلغت قوته ،أو كما قيل فإرادة الشعوب لا تقهر، وعلى صبر وحلم وحمل هذه الأمم فإنها إذا قالت فانها تفعل ،ولن تخيب اذا أرادت ،ولابد أن يستجيب القدر

· إن وقوفنا الحقيقي مع أشقائنا التوانسة بات أكثر ضرورة ،وأولى في المرحلة الآنية من أي وقت مضى ،فحان وقت البناء الحقيقي على أساس صلب من هذا المكسب الذي لم ولن يتاح لأي كان ،غير أصحاب الهمم العالية ، ولا محال من أن متربصين له غير بعيدين من اغتصابه ،فالأهم هو الحفاظ عليه ثم البناء الصلب

· تحية اكبار واجلال الى راسمي مجدهم بحروف من ذهب في زمن عز فيه صانعوا المجد ،وَفَيْتم نداءكم بأنفسكم ،"هلموا ،هلموا لمجد الزمن "،وسينصفكم التاريخ لا محال ،كما أنصف الأحرار دائما، وسينصف الطغاة وهاضمي الحقوق ،ولصوص الحرية ...فلا عاش بيننا من خاننا

عبد الله شوتري

الأحد، 17 أكتوبر 2010

موقع العرب من التحولات الكبرى في العالم ؟


موقع العرب من التحولات الكبرى في العالم ؟

(ورقة مقدمة بمناسبة المؤتمر السنوي التاسع لمؤسسة الفكر العربي - بيروت، لبنان 2010 )

في كل سنة على أكثر تقدير تطل علينا مؤسستنا، مؤسسة الفكر العربي من خلال مؤتمرها العام الذي صار حدثا من الواجب على حاملي همّ النهضة العربية أن يقفوا عنده بتأمل يفضّل أن يستثنى، ليس ككل المناسبات ذلك في نظري لاستثناء المقتَرب الذي تعتمده المؤسسة في تحليل قضايا النهضة العربية .

حصل لي الشرف أن كنت مشاركا في حوالي أربعة من أنشطة المؤسسة ضمن البرامج الموجهة للشباب لسنتين خَلت، وقد أثيرت خلال هذه الأنشطة كثير من المواضيع الحساسة التي تمس بقوة في قضايا الوحدة العربية كموضوع الهوية والثقافة العربية (فكر7) والتكامل الاقتصادي (فكر8)، وبناء على تلك الإطلالات لم يكن مفاجئا هذه المرة أن يكون موضوع المؤتمر القادم بحول الله، (فكر9) تحت عنوان : "عالم يرسم المستقبل...أين دور العرب ؟" كما لم يكن مفاجئا أن يثير هذا التساؤل حفيظتي كأحد شباب "فكر" في أقل تقدير، على غرار لهفتي بالبحث في الشؤون العربية وقضايا الوحدة من جهة أخرى. لذلك ارتأيت أن نمر سويا من خلال هذه الورقة على عدد من العناوين التي تثري النقاش حول مسألة الإسهام العربي في رسم مستقبل العالم و إن لم يكن فحول موقعنا كعرب من هذه التحولات كون الأمة العربية قطب معتبر يفترض أن تكون له كلمته الحقة في وضع معالم الحضارة الإنسانية، آملين أن تحقق نقاشاتنا على الأقل انتباها لحالنا واهتماما بقضايانا لا تسليما بواقع لا نرضاه لأنفسنا، ولا شك أن من يشاركني "طموح" النهضة العربية اليوم كحق من حقوقنا يوافقني هذا القول وما أقل ما يمكن تلخيصه إلا في 'من سار على الدرب وصل'


تجاوز بعض الدارسين المستقلين في الغرب كثيرا من الباحثين والمفكرين العرب والمسلمين في الإشادة بإنجازات علمية متعددة المستويات لعلماء ومفكرين عرب كانت لهم بصمة استثنائية في وضع المبادئ الأساسية لعدد من العلوم النظرية والفلسفية ،ولا يختلف اثنان في الإيمان بما قدمه هؤلاء في سبيل تطوير العقل البشري والمضي بالإنسان بعيدا عن تقاليد التعلم المنحصرة في التلقي عن الموروث ،كما لا يختلفان في قيمة الضريبة التي دفعها هؤلاء نظرا لما قوبلت به أفكراهم من رفض وتهميش ،لكنهم فعلا جعلوا لأنفسهم قدما راسخة في حقول العلم ورسم ملامح الحاضر والمستقبل ،وعموما فإن هذا وغيره كثير من ما يثبت دور العرب الحقيقي في الحضارة الإنسانية من جهة ،ليصفع أولئك الهاضمين لحجم هذا الدور . من جهة ثانية بينما أخذت الإشادة بهذا الدور هي الأخرى منحى سلبيا ،كان في بعض الأحيان السبب الأول لابتعاد العرب في القرون المتأخرة عن التنافس الحضاري ،خاصة عندما انحصرت النظرة للعلم والعلماء في تفسيرات منغلقة لا تكاد تخرج عن مفاهيم العلم الشرعي ،أو بلغة أخرى صار العاِلم هو الفقيه وإلا فلا ،إلا أن هذه النظرة شهدت نوعا من التراجع بعد ذلك لصالح صوت العقل وصار هناك نوع من التوازي في الأدوار بين العلم الشرعي والدنيوي على تناغم بين هذا وذاك وينبئ بوضع أكثر انفتاحا وتفاعلا في عصر طفت فيه مفاهيم كالعولمة والديمقراطية والاعتماد المتبادل وغيرها ....تلمح في مدلولها إلى أن صناعة المستقبل في العالم هي نتيجة لعملية تفاعل كبيرة ومعقدة و متعددة الأطراف تبدو المشاركة فيها أمرا حتميا لا مفر منه .

ومع تأكد هذا و وضوحه ،لا يزال حال أمتنا العربية في الانخراط الحضاري- الإنساني محتشما ،من باب الاندماج الموضوعي أو دور العامل العقلاني والنهج العلمي في التفكير العربي* .


إن كثيرا من المتخصصين يرون بقدرة العربي على صياغة المستقبل أو المشاركة في ذلك على الأقل ،يؤكدون ذلك بشواهد عينية تعكسها إنجازات معتبرة هنا وهناك منها ما سبق ذكره ،إلا أنه في مقابل ذلك يتأكد غياب فعالية لهذا الدور في عالم اليوم ،وهو خلفية أساسية تدفعنا إلى إعادة النظر وضرورة إيجاد الوصفات اللازمة لمعالجة وضعنا واستدراك التأخر المسجل كإحدى أولويات العمل العربي المشترك ،ومن هنا تدافعت المداخل بين عدة مجالات يستوجب الانطلاق منها ،فمنهم من يرى في ضرورة المسايرة على مستوى المعرفة والتكنولوجيا ،ومنهم من قال بإعادة النظر في التعليم والمنظومة التربوية ،وصولا إلى مسائل سياسية واقتصادية ذات دلالات بعيدة كالديمقراطية و الاقتصاد الحر ،ثم فكرية بحتة كالحرية والقيم ...إلا أن ما يمكن تسجيله بينها أنها تشترك في مدخل واحد ،أو بالأحرى "اقتراب الإصلاح" ،وهنا تجدر الإشارة إلى الدور الذي تلعبه مكتبة الإسكندرية والقائمين على مؤتمراتها السنوية المعروفة في إطار" منتدى الإصلاح العربي" الذي طالما مست فعالياته بتركيز هذه القضايا الجوهرية ،والأجدر من ذلك أن نشير إلى نقطة أساسية ،ألا وهي مسألة الأولويات ، فعندما نقول بأن قضية كهذه تكمن من بين أولويات العمل العربي المشترك ،لا يعني ذلك قفزا على واقع مؤسف لا ينقصه من المشاكل غير بحث مدى الإسهام العربي في صياغة مستقبل العالم وترك البصمة العربية في التحولات الكبرى


أنا شخصيا أرى بالعكس من ذلك ولعلي أستوحي هذه الرؤية من منهج المكتبة (مكتبة الإسكندرية) في معالجة هذه النقطة ،فكل ما في الأمر أننا نقترب من الظاهرة بطريقة مختلفة ،ونعالجها من مداخل جديدة لا تصتعصي على نتائجها ظروفنا الداخلية ،بل تكون هي المتلقي الفعلي لنتائج العمل الإيجابي ولو كان ذلك بصورة غير مباشرة بناء على اختلاف الهدف ،إن أقل ما يرمي إليه معنى كلمة الإصلاح هو تصحيح الخلل في أنظمة ما تعاني من جمود أو انحراف في الدور المنتظر منها ،بما ينعكس سلبا على النتائج. وهنا نجد أنفسنا بصدد صياغة مستقبل عربي كجزء لا يتجزأ من مستقبل العالم ككل.

إن جعل هذا المبتغى هدفا ساميا، يستوجب تنسيقا عربيا معتبرا ومحتما يأتي من رؤية موحدة لا من رؤى منفردة ومختلفة لكي تنعكس مخرجاته فعليا في التغيرات التي تحدث في العالم ،وهنا نجد أنفسنا في موقف يتجاهل الخلافات البينية وينحيها جانبا بصفتها عقبات أساسية كما يحصل هذا بالتركيز على محاور الاتفاق التي يكون فيها هذا الأخير مطلوبا ،يحول النظر إلى استغلال الإمكانيات المتاحة والبناء عليها في ما يعرف بالبناء على المكنونات أو الموجودات ،ينطبق الحديث على الهيكل الإعلامي مثلا ،أو الموارد الاقتصادية ،أو الطاقة البشرية ،فعوض أن تتقدم الدول العربية في نسبة النمو السكاني بين دول العالم صار مطلوبا أن تتقدم في الانعكاسات الإيجابية لهذا النمو أو الزيادات


تدور التحولات الكبرى في العالم حول قضايا معينة مكنت للبعض من فرض سيطرته دون البعض الآخر وحين تسأل المواطن العربي البسيط عن سبب تراجع دور العرب في ذلك يعزوه إما للفساد السياسي ،أو التخاذل على مستوى نظم الحكم والرضوخ للاختراقات الخارجية أو غير ذلك ...وبغض النظر عن صحة مبرراته نجده مسلّما بقدرتنا على اعتلاء المراتب الأولى على معرفة بسيطة بإمكانيات غير بسيطة ،أما إذا تساءلنا فيما بيننا عن تلك القضايا لوجدنا في مقدمتها الثورة الرقمية ومجال الطاقة والصناعات المتطورة وغيرها، و في كلها يتمتع العرب بالإمكانات اللازمة لخوض غمار التجربة على بساطة النماذج ولكن العبرة بالنتائج ،ولعل أبسط الأمثلة التي تمكنت من رصدها شخصيا ،الحراك الشبابي على شبكة الإنترنت حيث يلاحظ القاصي والداني ريادة للشباب العربي في كثير من الساحات على الشبكة العنكبوتية ،وهذا الشيء لو تم استغلاله بطريقة هادفة ،منظمة وفاعلة للمسنا التأثير الفعلي للعرب في تطورات عديدة ومنها نمكن لأنفسنا في المجال الرقمي من إحدى نوافذه ،كأن نعمل على دعم المحتوى العربي في العالم الرقمي مثلا


نعم نملك مساحات معتبرة لجعل دورنا إيجابيا أو الزيادة من فاعلية إيجابيتنا، بالصورة التي تعكس تأثيرنا الواضح في تغيرات العالم والفرصة سانحة لتوظيف ذلك في خدمة الهوية العربية وتعزيزها وعلى رأسها اللغة والثوابت الأساسية ،كوننا في عصر ساد فيه الإيمان بكل ما هو رقمي ،وليس الترجمة ببعيدة عن دعم هذا على حد سواء ،من والى العربية و في مختلف القطاعات العلمية والفكرية لنصل إلى تلاقح لغوي عالمي بين العربية وغيرها من اللغات ،ومن ثم إلى التفاعل الحضاري بين العرب وغيرهم وهو الأمر الآخر الذي يكفل لنا ترك بصمتنا باحترام في تغيرات العالم أيضا


دائما نتحدث هكذا ونثير نقاطا ظلت جامدة ودائما ينتهي الحديث بسؤال يُجاب عنه أحيانا ويُتجاهل أحيانا كثيرة ،هو قولنا كيف ،ومن أين نبدأ ؟.. قد يبدو صعبا في طرحه ومناقشته ،إلا أن المسألة كلها تدور حول المدخل الأساسي أو المداخل الجزئية لاقتراب الإصلاح السابق ذكره، إن العمل بطريقة عكسية وبمنهج وظيفي يوحي بأمل ما على صعيد الإنجاز أو بالأحرى "فكر يتبعه الإنجاز" ولا أود أن تنتبه الأنظار مباشرة إلى وضع حكوماتنا ومؤسسات صناعة القرار في بلداننا العربية فالوحدات الفاعلة في عالم اليوم صارت أوسع وأكثر فاعلية وانتشارا من المؤسسات الرسمية ذاتها ،نملك أملا كبيرا في مجتمعنا المدني وفي مؤسساتنا الأهلية التي أثبتت في العديد من التجارب احترافها في التغلغل داخل شرائح المجتمع ،فضلا عن فاعليتها شرط أن يفسح لها المجال بالصورة المطلوبة ،إن هياكل عديدة على غرار مؤسسة الفكر العربي ومكتبة الإسكندرية وغيرها ممن كانت لهم سوابق في التمكين للمواهب أو على الأقل إبرازها إلى العيان ،هذه الهياكل تملك الفرصة المناسبة في وضع الفاعل العربي على المحك خاصة شريحة الشباب العربي المبدع ،نعم نملك مخترعين ومفكرين ومواهب فذه بين شبابنا العربي تحتاج إلى من يضعها في الميدان العالمي والوقوف وراءها وهي طاقات يمكن المراهنة عليها فعلا وبها سيرتفع الصوت العربي بين أصوات العالم ،وسنقول "نعم...فعل هذا ذاك العربي الفذ" وقد قيلت ولا زالت ونطمح لأن ترتفع أكثر ،لا نريد تشاؤما ...،يكفينا خمولا ...،ولنا في الغد أمل كبير.


عبد الله شوتري

ناشط شبابي وباحث ماجستير / الجزائر